سباق بدوي : كلاسيكيات القرون

 

كتب : محمد الهمزاني ( ابو يوسف ) 

احيانا تمر في تجارب حياتية في ظاهرها تبدوا بسيطة لكنها من الداخل هي اكبر من تحتفظ فيها لنفسك ؛ تجارب تتبلور من كونها تجربة بسيطة الي كنوز من المعرفة يجب ان يتم توثيقها او على الأقل ان تدع هذا الاندفاع كفيلاً في حثك على مشاركتها مع الآخرين ..
خلال الشهر الماضي اشتركت في جزء من سباق دولي للسيارات القديمة ؛ نعم هذا صحيح ؛ اكثر من ٢٥٠٠ كلم داخل المملكة خلال ٣ أيام ومشاركة ٥٠ مشارك من أنحاء العالم ..
بالنسبة لمن يعرفني فهذا الأمر طبيعي الي حد ما ؛ فالرغبة في خوض الطرق الصعبة يجعل من وقتي اكثر لذه . يمكن لان قول الشاعر ( أضرب على الكايد لاصرت بحلان ) هو احد الدوافع الداخلية التي تجعل الخيار الاصعب هو الأحلى او أغنية ( يامدور الهين ترى الكايد احلى ) هي التي تجعلني دائما اقتنع ان خلف الطرق الصعبة أماكن جميلة لا يصل اليها المتقاعسون .. هي رغبة داخلية تجعل رؤيتي للعمل او المهام الأكثر صعوبة اداة للتعلم وتربية الذات ..
ومن الداخل يدور حديث النفس الذي لا يرغب في خوض المتاعب ولا حتى الرغبة في دراسة المخاطر التي تتبلور في سؤال ( وشوله كل هالتعب ) او ( ويش مستفيد ) .. لكن تخيل معي انك لو قررت التخطيط لسفر في رحلة للربع الخالي .. كم تتوقع شخص سوف يطرح عليك هذا التساؤل ؟ ولماذا يكون ذلك واقعياً عندما يتسلق شخص ما قمة جبال الهملايا ؟ ماهي هذه القدرة الهائلة على الإقناع النفسي ؟ ..
عندما تساورنا الشكوك والغموض عن امر ما يظهر شي ما في داخلنا يطلب منا التريث واختيار الأمر الأقل او الأسهل او الأكثر وضوحاً .. لكننا نجهل ان في داخلنا قدرة عجيبة على التكيف وإيجاد الحلول و الصبر والرغبة في خوض المغامرة والدهشة وكسر الروتين والإبحار في غمار تجارب مليئة بنشوة الإرادة ( الأدرنالين) ..
في تجربتي في هذا السباق ؛ رجعت الي اساسيات الرغبة في التعلم ؛ سباق عالمي يحتاج الي قراءة التعاليم والقوانين الخاصة والامتثال لها بكل دقه ؛ الالتزام بقوانين السباق وقراءة الخرائط اليدوية واختيار ملاح في القيادة يمكن له ان يساعدك في التوجيه من خلال أنظمة معقدة وخرائط يدوية بعيداً عن استخدام التقنية التي اعتمدنا عليها .. إنها بالفعل تبدوا كانّها إدارة أزمات تعطل فيها كل شي وأصبحنا بحاجة الي الرجوع إلى ما كنا عليه قبل عقدين من الزمن.
ولأن روح السباق تدفعك الي المنافسة والي تحقيق مركز متقدم ؛ يدفعك الجزء الداخلي في نفسك على أخذ الأمر بروية وتأني .. ولذلك تجعل من نفسك محطة استراتيجية لتغذية قراراتك الارتجالية بشكل اسرع لكي تتعامل مع كل المتغيرات وكل الاحتمالات التي لا يمكن الغائها واهما تعطل السيارة أثناء السباق او الضياع بسبب الخرائط الورقية ..
من السهل السماع الي مرشد إليكتروني في شاشة مقاسها ١٠ بوصة في سيارتك .. لكن لما يكون السباق في سيارة قديمة وتقنية يدوية ونوافذ السيارة مفتوحة وتنتظر المعلومة من ملاح يحاول قراءة الخرائط .. التكيف هو الحل !!
في اليوم الأول دهشت حين رأيت أعمار المشاركين والمشاركات تعدت سن ٦٠ سنة ولا أبالغ إذا وصلت عند الكثير منهم الي سن ٧٥ .. وليس هذا فقط بل اغلبهم قد أمضى جزء من حياته في الخوض في مثل هذه السباقات او لديه مهارات ميكانيكية تجعل منه خصما قوياً وذو قيمة لفريق السباق .. وجدت جزء منهم تحت سيارتهم لإجراء الصيانة بايديهم يمتلكون جرأه التغلب على اجسادهم التي لم تشكل عائقاً لهم كما كنت اعتقد ..
ان جرأة خلق الظروف ووضع الزناد فوق الرأس يجعل أي مهارة تخرج من أزمة العقد المحاطة بالخوف من المجهول ..
خلال تجربتي في هذا السباق تعلمت من خلال حديثي مع المتسابقين ان الأشياء التي نراها قد لا تكون هي نظرة مطلقة ؛ فهناك حتما نظرة أخرى تعتقد عكسها .. ان كانت أوروبا ممطرة وباردة فارضنا مشرقة دافئة .. علمتني التجربة ان هناك أشياء حولنا لها قيمة لكننا نحتاج الي وقت كي نتعرف عليها ..